محمد علي الحسن

118

المنار في علوم القرآن

ومع كل الأسف فقد وجدنا ممن شايعهم قد ذهب إلى مثل أقوالهم . ولعلّ في تعريف الزركشي ما يجلي هذه الحقيقة وما يبعده هذه الشبهة ، إذ قال عن القراءات واختلافها : إنها اختلاف ألفاظ الوحي . . . فهذا التعريف يلقي الضوء على أن مبنى القراءات الوحي النازل من السماء ، وقد تبعه علماء القراءات - قديما وحديثا - في تجلية هذه الحقيقة ، فجاءوا بتعريفات واضحة وناصعة ، فعرّفوا القراءات ( بأنها النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ) . ومثل هذا التعريف ( تلاوة ألفاظ القرآن الكريم كما تلاها المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم أو كما علمها أو سمعها منه أصحابه وأقرّهم عليها ) « 1 » ، وكلها تعريفات قريبة مما ذكره الزركشي ، فاختلاف ألفاظ الوحي هي مثل النطق بألفاظ القرآن كما نطقها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ومثل تلاوة القرآن كما تلاها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وصدق اللّه العظيم : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [ النجم : 3 ] . نشأة القراءات : هذا العنوان الذي يستعمله كثير من المؤلفين عن حسن قصد ، ويؤكده المستشرقون لغرض في نفوسهم ، فيه نظر : ذلك أن القراءات المتواترة قرآن لا شك فيه ، فقوله : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ وملك يوم الدّين بالألف وبدونها ، و اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ واهدنا السراط المستقيم ، بسينها وصادها ، وكل قراءة قرآنية متواترة ، كل ذلك قرآن وهو قديم ، فلا يقال لقراءة منه : نشأت ، لأن ذلك يشعر بالحداثة لبعضها في وقت من الأوقات . لذا أرى أنّ في استعمال المؤلفين المخلصين هذا العنوان تجاوزا - إن صحّ التعبير - وأرى أنّ في استعمال المستشرقين له مقصدا خبيثا ، ونحن قد رأينا فيما أومأنا إليه سابقا من تعريف للقراءات بأنها اختلاف ألفاظ الوحي ، مما يشير إلى أن القراءة قرآن لا تنفك قرآنيتها عنه ما دامت قد تواترت ، فلا يقال لها : ناشئة إلّا إذا قيل للقرآن : ناشئا ، وليس الأمر كذلك فقد نزل الوحي بالقراءة فيما ورد في بعض ألفاظه

--> ( 1 ) انظر القراءات القرآنية تاريخ وتعريف ، د . عبد الهادي الفضلي ، دار القلم ، بيروت ، ط 2 ، 1980 ، ص 56 .